الشيخ محمد هادي معرفة
13
التفسير والمفسرون في ثوبه القشيب
وأمثال هذه التفاسير ممّا كتب على الألواح أو في صحائف ذلك العهد كثير ، كانت تقتضيه طبيعة الأخذ والتلقّي ذلك الحين ، وقد قلّ الاعتماد على الحفظ والضبط في الصدور . غير أنّ هذه التفاسير كانت مقتصرة على نقل المعاني وروايتها عن التابعين والأصحاب ، وثبتها في الدفاتر خشية الضياع ، ولم يكن التفسير قد توسّع أو دخله الاجتهاد في شكل ملحوظ . ولعلّ أوّل من توسّع في التفسير وضمّ إلى جانب المعاني جوانب أخر ولا سيّما التعرّض لأدب القرآن وذكر خصائص اللّغة ، واجتهد في ذلك ، هو أبو زكريا يحيى بن زياد الفرّاء المتوفّى سنة ( 207 ) . يذكر ابن النديم في « الفهرست » أنّ أبا العبّاس ثعلب قال : كان السبب في إملاء كتاب الفرّاء في معاني القرآن ، أنّ عمر بن بكير كان من أصحابه ، وكان منقطعا إلى الحسن بن سهل . فكتب إلى الفرّاء : أنّ الأمير الحسن بن سهل ، ربّما سألني عن الشيء بعد الشيء من القرآن ، فلا يحضرني فيه جواب . فإن رأيت أن تجمع لي أصولا ، أو تجعل في ذلك كتابا ، أرجع إليه فعلت . فقال الفرّاء لأصحابه : اجتمعوا حتى أملي عليكم كتابا في القرآن ، وجعل لهم يوما ، فلمّا حضروا خرج إليهم ، وكان في المسجد رجل يؤذّن ويقرأ بالناس في الصلاة . فالتفت إليه الفرّاء ، فقال له : اقرأ بفاتحة الكتاب نفسّرها ، ثمّ نوفي الكتاب كلّه . فقرأ الرجل ويفسّر الفرّاء . قال أبو العبّاس : لم يعمل أحد قبله مثله ، ولا أحسب أنّ أحدا يزيد عليه « 1 » .
--> ( 1 ) الفهرست لابن النديم ، ص 105 .